السيد محمد حسين فضل الله
31
من وحي القرآن
وقد جعل اللّه السيدة العذراء مريم ( ع ) عنوان القصة ، لأن حركة الخلق انطلقت منها ومعها ، وحملت أكثر الملامح اتصالا بها ، من حيث المضمون والموقف ، ومن حيث الإيحاءات الروحية في مسألة تقديم النموذج الأمثل للمرأة من خلال الإنسانة المؤمنة التي يتحول ضعفها الأنثوي بفضل الإيمان والرعاية الإلهية إلى عنصر قوة وثبات . وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ الفتاة العذراء الطاهرة التي عاشت أجواء خدمة اللّه في بيته ، فتعمق إحساسها الإيماني وطهارة فكرها وروحها وشعورها ، لما يتفايض من أجواء المعبد على كيان الإنسان المؤمن المتعبّد من طهارة ، وها هي تبرز في موقف جديد لم تختره بإرادتها ، ولكنها تحركت نحوه بطريقة تلقائيه لا شعورية ، إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا تماما كما تخرج أيّ فتاة لتخلو بنفسها لغرض التأمل أو العبادة أو ممارسة أيّ نشاط خاص بشكل طبيعي لم يثر انتباه أحد ، كما توحي أجواء الآية . فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً لتكتمل لها الخلوة بنفسها ، من خلال حاجز خلفه ، طبيعي أو صناعي أو صنعته بجهدها لهذا الغرض وأخذت تستسلم لأفكارها ، أو لأحلامها ، أو لأوضاعها الخاصة ، وكانت المفاجأة لها بالمرصاد ، وكانت المشكلة النفسية التي هزت كيانها بعنف ، فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا ومهمته حمل سر القدرة الإلهية على خلق هذا الإنسان الجديد فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا كأيّ بشر آخر ، في شكله وملامحه العميقة . وفوجئت وارتعدت ، وانتفض الطهر في روحها وفي أعماقها ، ليحمي نفسه ، ليستعين بشيء أيّ شيء ، وهرعت إلى اللّه تستعين به وتستنجده ، فهو الذي منحها هذا التمسك العميق بالحياة الطاهرة العفيفة التي تتمرّد على كل رجس ، وهو القادر على أن يحمي فيها هذا الطهر الذي اختارت بإرادتها أن تعيش كل حياتها في دائرته .